أبي منصور الماتريدي

32

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وروى في بعض الأخبار عن أبي قلابة أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « قيل لي لتنم عينك ، وليعقل قلبك ، ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني ، ثم قيل لي : سيد بنى دارا وجعل مأدبة وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد فالله السيد ، والدار الإسلام ، والمأدبة الجنة ، والداعي محمد صلى اللّه عليه وسلّم » « 1 » . إن ثبت هذا الخبر ففيه أن الدار الإسلام على ما قاله بعض أهل التأويل وفي خبر آخر عن جابر بن عبد الله قال : « خرج علينا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يوما فقال : رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي ، قال أحدهما لصاحبه : اضرب له مثلا ، قال : اسمع سمعت أذنك ، وأعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بنيانا فأتمه ، ثم جعل فيها المأدبة ، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ، ومنهم من تركه ، فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة ، وأنت يا محمد الرسول ، ومن أجابك دخل الإسلام ، ومن دخل الإسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل ما فيها » « 2 » . هذا يدل - أيضا - إن ثبت أن الدار التي ذكر في الآية هو الإسلام ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ . . . الآية : ذكر الاستثناء في الهداية ، ولم يذكر في الدعاء ؛ ليعلم [ أن ] « 3 » لا كل من يدعو إلى دار السلام يهديه ، وإنما [ يهدي به ] « 4 » من يعلم منه أنه يختار الهدى وذلك على القدرية . ثم الهدى على وجوه ثلاثة . أحدها : الدعاء كقوله : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ . والثاني : هو البيان كقوله : هُدىً وَرَحْمَةً * يعني القرآن . والثالث : التوفيق والعصمة إذا وفق اهتدى ، والهدى هاهنا التوفيق . وقوله - عزّ وجل - : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ : اختلف فيه ؛ قال بعضهم : للذين أحسنوا في الدنيا لهم الحسنى في الآخرة جزاء ذلك الإحسان وهي الجنة ، سمى الجنة

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 548 ) ( 17621 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 546 ) وعزاه لابن مردويه عن أنس بن مالك . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 549 ) ( 17624 ) ، والبيهقي في الدلائل ( 1 / 370 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 546 ) وزاد نسبته للحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : يهديه .